"باليرينا"
"باليرينا"
أمى هى شمس المطبخ , و فى المساء
هى بوجهها القمر و بقع الطعام على ملابسها نجوم تضئ سماءنا, مجرات تبتلع الكون
بداخلها.
و لكن شئ ما فى هذا المطبخ
يقتل الأحلام بداخلنا, يدفعنا للخمول, للبقاء, يقتل أحلامنا بالرحيل, يرصصنا فى
جوانبه كالفناجين و الأطباق, يخيطينا فى ستائره, يصطادنا كفراشات و يضعنا فى أكواب
شفافة.
************************************
سماء أمى فى هذا اليوم كانت ملبدة بالغيوم, يبدو بخار الطعام و كأنه يصدر من رأسها الذى
حمل ألف فكرة و فكرة, و كل فكرة كانت تغلى
كالآنية على الموقد.كانت تفكر فى مشاهد حياتها المتكررة و تستسلم إرادتها للواقع
كثمرة فاكهة تحت سكين الأيام البارد. تخطرعلى بالها فكرة سعيدة عن مكان آخر تفضل
أن تكون فيه عن بلد تتمنى أن تزوره تصيبها السعادة بالارتباك, تعود لتفكر مجددا ماذا
ستطهو غدا.
***********************
كنت أساعد أمى فى تقطيع الخضار حين وقع نظرى على جزرة ملتفة الأرجل كبالرينا
, عزفت عن تقطيعها مكافأة لها ربما لأنها قررت أن تغير حياتها و تصبح راقصة باليه
و تتخلى عن حياتها كجزرة, هكذا رأيتها, هكذا تركتها لتنهى رقصتها, هكذا قلبتها
فوجدتها تصنع بهذا الالتفاف كلمة "لا" فأحببتها أكثر. "لا" قالتها
الجزرة, متى سنقولها؟
تأملت أمى من بين سحب البخار, أبخرة طهى أمى ليست أبخرة عادية إنها
صلوات تتلى, ترتفع, صلوات شقت لنفسها مجرى فى السماء, تسللت من خلف أمى شعرت و أنا
احتضنها بأجنحتها المتكسرة.
أريد لأمى أن تنمو خارج الأرض, أن تكف عن
التفكير أن أولادها هم موهبتها الوحيدة, أن تستخدم جناجين الملاك للتحليق لا فقط
لتحطونا بهم, أن تتذوق نفسها , تكشف عما فى نفسها و تخرجه للعالم كما تكشف عن
الآوانى و تتذوق ما بداخلها, تفتش عن الشعلة بداخلها كما تشعل نار الموقد, تخترع
رقصتها.
نسمع
صوت خطوات أبى و أنفاسه المتقطعة, أكياس ثقيلة تنذر بمزيد من الطهى و مزيد من الخضار
للتقطيع, مزيد من اكتشافات الحياة لى و مزيد من البقع على ملابس أمى.
**************************************

راااااااائعة
ReplyDeleteأشكرك يا كوكتى!!
ReplyDeleteجميلة بجد يا منار..سواء فى:
ReplyDeleteالأسلوب..التشبيهات..التفاصيل الصغيرة....إلخ..
ربنا يوفقك..